الحلبي
232
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
إلا عدة الحرب التي هي السلاح وفرس سريعة الجري وجنان يقاتل عليه شيوخ الضلال ، أي وهذا يدل على أن الصديق رضي اللّه تعالى عنه ترك مالا عند أهله لما هاجر ، وهو قد يخالف ما تقدم عن ابنته أسماء من قولها : إن أبا بكر أرسل ابنه عبد اللّه فحمل ماله وكان خمسة آلاف درهم إلى الغار ، فدخل علينا جدي أبو قحافة الحديث ، ولعل ماله الذي عناه الصديق ما كان من نحو أمتعة وبعض مواشي لا النقد فلا مخالفة . ويروى عن ابن مسعود أن الصديق رضي اللّه تعالى عنه دعا ابنه يعني عبد الرحمن يوم أحد إلى البراز ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم « متعنا بنفسك ، أما علمت أنك مني بمنزلة سمعي وبصري » فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ الأنفال : الآية 24 ] ولا مانع من التعدد حتى في نزول الآية ، لكن يبعد نزولها في أحد أيضا كون أبي بكر يدعو للمبارزة بعد نزولها أولا في بدر . ثم رأيت ابن ظفر قال في الينبوع : إنه لم يثبت أن أبا بكر دعا ابنه للمبارزة ، وإنما هو شيء ذكر في كتب التفسير ، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ الأنفال : الآية 24 ] فالآية مدنية لا مكية وبه يرد ما ذكر أن سببها أن أبا بكر سمع والده أبا قحافة يذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم بشر فلطمه لطمة سقط منها ، فأخبر أبو بكر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له لا تعد لمثلها ، فقال : واللّه لو حضرني السيف لقتلته به . وفي كلام الزمخشري أن عبد الرحمن أسلم في هدنة الحديبية وهاجر إلى المدينة ومات سنة ثلاث وخمسين بمحل بينه وبين مكة ستة أميال ، وحمل على أعناق الرجال إلى مكة ، وقدمت أخته عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المدينة فأتت قبره فصلت عليه . أي وفي هذا اليوم الذي هو يوم بدر قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه وكان مشركا ، فإن أباه قصده ليقتله فولى عنه أبو عبيدة لينكفّ عنه فلم ينكف عنه ، فرجع عليه وقتله وأنزل اللّه تعالى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [ المجادلة : الآية 22 ] الآية . وعن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه قال : لقد لقيت أمية بن خلف وكان صديقا لي في الجاهلية ومعه : أي مع أمية ابنه عليّ أي آخذ بيده وكان عليّ ممن أسلم والنبي صلى اللّه عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر ، ففتنهم أقاربهم عن الإسلام ورجعوا عنه وماتوا على كفرهم ، وأنزل اللّه تعالى فيهم إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ [ النّساء : الآية 97 ] الآية ، أي وهم الحارث بن ربيعة ، وأبو قيس بن الفاكه ، وأبو قيس بن الوليد ، والعاص بن منبه ، وعلي بن أمية المذكور .